فخر الدين الرازي

179

تفسير الرازي

وثانيها : هو البرهان الذي فرق به دين الحق عن الأديان الباطلة عن ابن زيد . وثالثها : فلق البحر عن الضحاك . ورابعها : الخروج عن الشبهات ، قال محمد بن كعب واعلم أنه تعالى إنما خصص الذكرى بالمتقين لما في قوله : * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) أما قوله تعالى : * ( الذين يخشون ربهم بالغيب ) * فقال صاحب " الكشاف " : محل الذين جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع عليه وفي معنى الغيب وجوه : أحدها : يخشون عذاب ربهم فيأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه وإيمانهم بالله غيبي استدلالي ، فالعباد يعملون لله في الغيب والله لا يغيب عنه شيء عن ابن عباس رضي الله عنهما . وثانيها : يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها . وثالثها : يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس وهذا هو الأقرب ، والمعنى أن خشيتهم من عقاب الله لازم لقلوبهم إلا أن ذلك مما يظهرونه في الملا دون الخلا * ( وهم من ) * عذاب * ( الساعة ) * وسائر ما يجري فيها من الحساب والسؤال * ( مشفقون ) * فيعدلون بسبب ذلك الإشفاق عن معصية الله تعالى ، ثم قال وكما أنزلت عليهم الفرقان فكذلك هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله : * ( وهذا ذكر مبارك ) * بركته كثرة منافعه وغزارة علومه وقوله : * ( أفأنتم له منكرون ) * فالمعنى أنه لا إنكار في إتزانه وفي عجائب ما فيه فقد آتينا موسى وهارون التوراة ، ثم هذا القرآن معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البديعة واشتماله على الأدلة العقلية وبيان الشرائع ، فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره . ( القصة الثانية ، ( قصة ) إبراهيم عليه السلام ) قوله تعالى * ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) * اعلم أن قوله تعالى : * ( ولقد آتينا إبراهيم رشده ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : في الرشد قولان : الأول : أنه النبوة واحتجوا عليه بقوله : * ( وكنا به عالمين ) * قالوا : لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب